أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

239

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والثاني : - أجازه أبو البقاء - أن يكون « مِنَ الْأَمْرِ » هو الخبر ، و « لَنا » تبيين ، وبه تتمّ الفائدة كقوله : وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ « 1 » ، وهذا ليس بشيء ، لأنه إذا جعله للتبيين فحينئذ يتعلّق بمحذوف ، وإذا كان كذلك فيصير « لَنا » من جملة أخرى ، فتبقى الجملة من المبتدأ أو الخبر غير مستقلة بالفائدة ، وليس نظيرا لقوله : « وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ » فإن « لَهُ » فيها متعلّق بنفس « كُفُواً » لا بمحذوف ، وهو نظير : « لم يكن أحد قائلا لبكر » ف « لبكر » متعلق بنفس الخبر . وهل هذا الاستفهام على حقيقته ؟ فيه وجهان : أظهرهما : نعم ، ويعنون بالأمر : النصر والغلبة . والثاني : أنه بمعنى النفي ، كأنهم قالوا : ليس لنا من الأمر - أي النصر - شيء ، وإليه ذهب قتادة وابن جريج ، ولكن يضعف هذا بقوله : « قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ » فإنّ من نفى عن نفسه شيئا لا يجاب بأن يثبت لغيره ، لأنه مقرّ بذلك ، اللهم إلا أن يقدّر جملة أخرى ثبوتية مع هذه الجملة فكأنهم قالوا : ليس لنا من الأمر شيء ، بل لمن أكرهنا على الخروج ، وحملنا عليه ، فحينئذ يحسن الجواب بقوله : « قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ » لقولهم هذا . وهذه الجملة الجوابية اعتراض بين الجمل التي جاءت بعد قوله : « وطائفة » فإنّ قوله : « يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ » وكذا « يَقُولُونَ » الثانية : إمّا خبر عن « طائِفَةً » أو حال ممّا قبلها . وقرأ الجماعة « كُلَّهُ » بالنصب ، وفيه وجهان : أظهرهما : أنه تأكيد لاسم « إن » . والثاني - حكاه مكي عن الأخفش - أنه بدل منه ، وليس بواضح . و « لِلَّهِ خبر « إِنَّ » . وقرأ أبو عمرو : « كلّه » رفعا وفيه وجهان : أشهرهما : أنه رفع بالابتداء ، و « لِلَّهِ » خبره ، والجملة خبر « إِنَّ » نحو : « إنّ مال زيد كلّه عنده » . والثاني : أنه توكيد على المحلّ ، ف « إِنَّ » اسمها في الأصل مرفوع بالابتداء ، وهذا مذهب الزجاج والجرميّ ، يجرون التوابع كلها مجرى عطف النسق ، فيكون « لِلَّهِ » خبرا ل « إِنَّ » أيضا . و « يُخْفُونَ » : إمّا خبر ل « طائِفَةً » أو حال ممّا قبله كما تقدم . وأما « يَقُولُونَ » فيحتمل هذين الوجهين ، ويحتمل أن يكون تفسيرا لقوله « يُخْفُونَ » فلا محلّ له حينئذ . وقوله : ما قُتِلْنا جواب « لو » ، وجاء على الأفصح : فإنّ جوابها إذا كان منفيا ب « ما » فالأكثر عدم اللام ، وفي الإيجاب بالعكس . وقوله : « لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ » كقوله : « هل لنا من الأمر من شيء » وقد عرف الصحيح من الوجهين . وقد أعرب الزمخشري هذه الجمل الواقعة بعد قوله : « وَطائِفَةٌ » إعرابا أفضى إلى خروج المبتدأ بلا خبر ، ولا بدّ من إيراد نصّه ليتبيّن ذلك ، قال رحمه اللّه : « فإن قلت كيف مواقع هذه الجمل التي بعد قوله : « وَطائِفَةٌ » ؟ قلت : « قَدْ أَهَمَّتْهُمْ » صفة ل « طائِفَةً » و « يَظُنُّونَ » صفة أخرى أو حال ، بمعنى : قد أهمّتهم أنفسهم ظانّين ، أو استئناف على وجه البيان للجملة قبلها ، و « يَقُولُونَ » بدل من « يَظُنُّونَ » . فإن قلت : كيف صحّ أن يقع ما هو مسألة عن الأمر بدلا من الإخبار

--> ( 1 ) سورة الإخلاص ، اية ( 4 ) .